السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال الأحنف بن قيس: "لا خير في قول إلا بفعل، ولا في مال إلا بجود، ولا في صديق إلا بوفاء، ولا في ثقة إلا بورع، ولا في صدقة إلا بنية، ولا في حياة إلا بصحة وأمن".
ما من إنسان، إلا ويتعامل مع الآخرين في مختلف شئون الحياة، ومن أهم أدوات هذا التعامل ومقوماته، الثقة التي غالباً ما تكون متبادلة بين أفراد المجتمع الواحد، لضمان النجاح، ولكن بنسب متفاوتة تنقص أو تزيد بفعل العوامل المؤثرة على ذلك سلباً أو إيجاباً، وحول ما أصاب هذه العملة "أي الثقة"، من ضعف واهتزاز في "بورصة" التعامل، دار هذا الحوار مع أحد أولئك الذين لهم رأي في ذلك.
قلت له: ما مدى ثقتك بالآخرين؟
قال: يعتمد ذلك على نوع هذه الثقة وبمن.
قلت: هل هناك ثقة كاملة؟
قال: يجب ألا تكون.
قلت: لماذا؟
قال: المؤثرات كثيرة، كالطمع والكراهية لوجود خلافات، وهذه من أسوأ ما يصيب النفس، ويعطب فيها النيات الحسنة.
قلت: هل مررت بتجربة أضعفت ثقتك بالآخرين؟
قال: لعلني لم اضطر لوضع ثقتي بأحد، لكن الكثيرين يعانون من ذلك.
قلت: ما تفسيرك لهذا؟
قال: الثقة علامة تقوم على الاقتناع بهذا أو ذاك من الناس وكذلك الأشياء، وقد تزول هذه الثقة أو تضعف بفعل المؤثرات العكسية، وقد لا يحدث شئ من هذا.
قلت: هل تعتبر أن الثقة بين الناس، قد أصابها شيء من الضعف في زماننا هذا، بنسب تتجاوز ما كان يحدث في الماضي، وإذا كانت الإجابة "نعم" فلماذا ؟.
قال: من مقومات استمرار الثقة بين الناس، وجوب توافر النية الحسنة والرغبة الصادقة في الحفاظ عليها، والحرص على عدم تعرضها لما قد يفشلها، ولكن للأسف بات الإخلال بها من قبل أحد أطرافها ظاهرة ملحوظة في مجتمع اليوم.
قلت: ما هي أسباب ذلك في رأيك؟
قال: الأسباب كثيرة، قد يصعب تحديدها.
قلت: هلا عرفنا أهم تلك الأسباب؟
قال: الحياة نفسها، هي من تلون طبائع الإنسان.
قلت: هلا فسرت لنا ذلك؟
قال: ضغوط متطلبات الحياة تفرض على الإنسان أن يتعمد أحياناً التنازل عن بعض مبادئه وما تعود عليه من سلوكيات تربوية.
قلت: ولكن أين ذهبت الروادع الأخلاقية والدينية؟
قال: أمام مغريات الحياة المادية، وبسبب ما أصاب هذه الروادع الأخلاقية والدينية من ضعف، نتيجة لانصراف الإنسان عن منابعها، لذلك وقع الإنسان في شباك رغباته وشهواته.
قلت: إذاً يتوجب علينا إزاء ذلك، أن نعيد النظر في هذه العملة المسماة (الثقة)، وأن نتفحصها قبل التعامل، بعد أن امتدت إليها يد التزييف، لذلك لم تعد وحدها تكفي بعيداً عن الضمانات الأخرى.
قال: وهذا هو الواقع المر، الذي يفرض نفسه علينا للأسف الشديد بحيث لم يعد أحد يثق بأحد.
قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، رحم الله أياماً كان فيها للكلمة معناها وللثقة مكانها، وإيماناً يصونها ويقويها.