دخلت خلال العام الماضي كلمة «انتخابات» لغة الحديث في الشارع الافغاني. والكلمة هي واحدة من مجموعة من الكلمات المشتركة في اللغتين الاساسيتين في البلاد الفارسية ولغة البشتون. واعترف عدد كبير من الافغان، انهم لا يعرفون بالضبط ماذا تعني. ولكن الجميع يعتقدون ان «انتخابات» كلمة سحرية من اجل مستقبل افضل.
وستتاح غدا الفرصة لـ 10 ملايين أفغاني من الرجال والنساء الذين سجلوا اسماءهم للتصويت، لاختبار الكلمة السحرية بالتوجه الى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس للجمهورية، الذي يمتلك، طبقا للدستور الافغاني الجديد الذي تم اقراره أخيرا، سلطات تنفيذية واسعة.
وقبل عامين، كان التصور باحتمال عقد انتخابات في افغانستان يبدو خياليا. فقد كان عناصر طالبان الذين يمثلون واحدا من اكثر اشكال الأنظمة شراسة، يعتبرون أي مشاركة من الناس في صنع القرار بأنها «غير اسلامية»، وكانت السلطة كلها في يد الملا محمد عمر، الذين يدعي المعصومية. وساءت الامور عندما اقنع اسامة بن لادن القائد الارهابي الهارب، الملا باعتبار نفسه خليفة لكل المسلمين.
غير ان الملا الذي عين نفسه خليفة للمسلمين. كان ذكيا بدرجة كافية ليركب دراجته النارية ويهرب فور أن بدأت القوات الاميركية في اسقاط القنابل مدمرة المخابئ في قندهار، في الوقت الذي فر فيه صديقه اسامة الى اقرب مغارة للاختباء.
وفي بيان اخير، تم نسخه في مكان ما في باكستان، هدد الملا الهارب بقتل، ليس فقط المرشحين في انتخابات الغد، ولكن ايضا أي شخص يجرؤ علي التوجه لصناديق الانتخابات. وقال «ان هذه الانتخابات هي مؤامرة اميركية ضد الاسلام. وهي تهدف الى تشجيع الناس على التشكيك في ارادة الله بالادعاء انهم هم، وليس العلي القدير، الذي يمكنه ان يمنح او يسحب السلطة».
ولا توجد اخبار، بالطبع عن اسامة، الذي يعتقد العديد انه مات قبل عامين. ولكن بقايا عصابته اضافت صوتها الى تهديدات الملا عمر لعرقلة الانتخابات.
ان فلول طالبان والقاعدة ليسوا الوحيدين الذين يعتبرون ان الانتخابات تعني القضاء على احلامهم بالعودة الى السلطة في افغانستان. ان انتخابات الغد يمكن ان تغلق صفحة في تاريخ افغانستان تنافست خلالها نوعيات مختلفة من الاستبداد من اجل السلطة. وترى الجماعات اليسارية، الذي ابتليت بها الحياة السياسية الافغانية، منذ منتصف الخمسينات حتى هزيمتها في عام 1992، ان الانتخابات هي نهاية الطريق بالنسبة لها. ولن تصبح افغانستان مرة اخرى «الجمهورية الشعبية الديمقراطية،» التي تحكمها «طليعة الثورة البروليتارية». كما ستقضي الانتخابات على الفاشية الدينية مثل ما يطلق على اسم الحزب الاسلامي لقلب الدين حكمتيار، والحزب المنشق عنه الذي يقوده يونس خالص. كما ستكتب الانتخابات المرثية السياسية لما يطلق عليه الاسلاميون المعتدلون من امثال برهان الدين رباني الذي كان رئيسا لحكومة ائتلاف في كابل في اوائل التسعينات.
ومنذ تحريرها من طالبان سارت افغانستان على طريق انتعاش بطيء لكنه ثابت، من ما يقرب من ثلاثة عقود من احتلال أجنبي وحرب أهلية وحكم متعصب. وقد ارتفع الدخل السنوي للفرد الواحد في العام الحالي الى 240 دولارا ، بالمقارنة مع ما يقل عن 200 دولار عام 2000. وفي غضون ذلك انخفضت البطالة من نسبة تقرب من 60 في المائة من حجم قوة العمل الى حوالي 40 في المائة.
وربما كان الأكثر اهمية، ان أفغانستان أفلحت في استيعاب ما يقرب من 4 ملايين لاجئ عادوا الى البلاد معظمهم من باكستان وإيران.
ولا ريب ان الارهابيين من كل الأنماط، سيفعلون كل ما بوسعهم لعرقلة انتخابات الغد خصوصا في جنوب شرقي البلاد، حيث لا تتمتع قوات الحكومة المركزية بوجود واسع دائم. وكان الارهابيون قد قتلوا أخيرا 12 من العاملين في مجال الانتخابات، وجرحوا ما يزيد على 100 آخرين. ولكنهم اخفقوا في منع المرشحين الرئيسيين من القيام بحملاتهم الانتخابية.
ووفقا لمعظم استطلاعات الرأي، فان الرئيس المؤقت الحالي، حامد كرزاي، هو الذي يتوقع فوزه غدا. فقد أثبت كرزاي انه سياسي موهوب. فهو لم يفلح فقط في توحيد البشتون، الذين يشكلون ما يقرب من 38 في المائة من سكان البلاد، خلف ترشيحه وإنما افلح ايضا في تقسيم الطاجيك، الذين يشكلون حوالي 32 في المائة من السكان، عبر الفوز بتأييد عدد من زعمائهم البارزين.
غير أن اثنين من المرشحين على الاقل، ينتظر أن يتركا تأثيرا. أحدهما يونس قانوني، وهو مقاتل سابق ذو شخصية جذابة، من المحتمل أن يفوز بنسبة جيدة من الأصوات في اوساط الجماعة الطاجيكية. أما الآخر فهو عبد الرشيد دوستم، الذي كان ذات يوم قائدا لميليشيا شيوعية، ولكنه الآن عراب نخبة حاكمة في إطار الجماعة الأوزبكية.
ومن اجل ان تنجح انتخابات الغد في ارساء نموذج في افغانستان من الهام ان يقبل الخاسرون النتائج. وهذا هو السبب الذي يجعل من الضروري النظر الى المحاولات الأخيرة، التي قام بها معسكر كرزاي لترهيب مؤيدي قانوني ودوستم، باعتبارها شيئا مؤسفا. ويمكن أن تطرح أسئلة حول الظروف التي سيقترع بها اللاجئون الأفغان في ايران وباكستان. ومن المتوقع ان يصوت اللاجئون الـ 750 ألفا المسجلون للانتخاب في باكستان لصالح كرزاي على نحو كبير. وما من أحد يعرف ما اذا كانوا يفعلون ذلك بسبب قناعاتهم الشخصية او كنتيجة للترغيب والترهيب. وفي ايران هناك ما يقرب من 600 الف لاجئ افغاني مسجلين للانتخاب. وعلى خلاف نظرائهم في باكستان، فان هؤلاء الأفغان يواجهون ضغطا للتصويت ضد كرزاي، الذي اعتبر دائما «رجل واشنطن» من جانب رجال الدين في طهران.
من المؤكد ان انتخابات عامة واحدة لن تحل كل مشاكل افغانستان. فهي لا تزال تواجه خطرا ارهابيا كبيرا. كما لا يزال هناك عدد كبير من الجماعات المسلحة قد يعرقل سير وتطبيق القوانين بصورة فاعلة. يضاف الى ما سبق، ان تجارة الافيون لا تزال تشكل صداعا للحكومة، وعقبة رئيسية أمام تطوير اقتصاد فاعل في الكثير من أجزاء البلاد. كما ان المساعدات الخارجية التي وعدت بها دول وجهات مختلفة لم تتسلمها افغانستان بعد، اذ لم تتسلم الحكومة الافغانية سوى اقل من 20 بالمائة فقط من جملة مساعدات قيمتها 5.5 مليار دولار لدعم تكاليف الاستشارات وتسديد مرتبات العاملين في الحكومة. وعلى الرغم من الشروع في مئات المشاريع الصغيرة، فإن المشاريع الكبيرة التي اعلن عنها منذ عام 2002، ما تزال حبرا على ورق. ولا تزال الولايات المتحدة الدولة ذات الوجود العسكري الاكبر في افغانستان (20 الف جندي وضابط)، اذ تستخدم القوة الاميركية بصورة اساسية في تعقب بقايا قوات طالبان وعناصر «القاعدة».
المجتمعات التي تتبنى الانتخابات كوسيلة لحل النزاعات السياسية وتوسيع قاعدة صنع القرار، إنما تفعل ذلك في ظل المخاطرة بأمنها واستقرارها. فالتجارب قد اثبتت ان ثقافة الانتخابات تتطلب عقودا من الزمن قبل تبنيها كجزء لا خلاف حوله من البنى الاساسية للمجتمع. اذ ان بريطانيا، التي كانت اول دولة تجري انتخابات في العصور الحديثة، احتاجت الى قرنين تقريبا لتثبيت وإرساء استقرار ديمقراطيتها.
ليس هناك ضمانة بالطبع على عدم تحول المجتمع الذي يتبنى نظام الانتخابات الى الديكتاتورية بصورة او بأخرى، عند الشعور بخيبة الأمل والإحباط ازاء الديمقراطية. فقد فاز هتلر في انتخابات عام 1933 في وقت اعتبر فيها الألمان أن القدر الكبير من الديمقراطية، كما تجسد في الحكومة التي اعقبت تنازل ويلهيلم الثاني، سبب كل محنهم وكوارثهم.
من المهم ان نتذكر الوضع الذي كانت تعيشه افغانستان قبل عامين والوضع الحالي. فأول انتخابات افغانية يجب ان تكون مصدر الهام وتطلعات لكل الذين يعتقدون بأن الجمع بصورة عاقلة وحصيفة بين القوة العسكرية والمساعدات الاقتصادية والإرادة السياسية يمكن ان تحقق معجزات في بناء الدول.
أمير طاهري ...
الشرق الاوسط اللندنية