الأدلة من القرآن والسنة على تحريم الإستعانة بالكفار _ الرجاء القرائه بتمعن لمن اراد ان يلتزم بحدود الله
_ 6 _
وأما ما رواه احمد وأبو داود وابن حبان وابن ماجة، بأسانيد ظاهرها الصحة، عن ذي مخبر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستصالحون الروم صلحاً تغزون انتم وهم عدواً من ورائكم»، وهو حديث كثر الاستشهاد به هذه الأيام على ألسنة بعض المفتونين من أدعياء العلم، فتمام الحديث هو: «... فتسلمون وتغنمون، ثم تنزلون بمرج ذي تلول، فيقوم رجل من الروم فيرفع الصليب ويقول: غلب الصليب! فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله فيغدر به القوم ويكون الملاحم، فيجتمعون لكم فيأتونكم في ثمانين غاية مع كل غاية عشرة آلاف»، بطرق متعددة اضطرب فيه الألباني فحسنه في موضع وصححه في غيره. ويلاحظ على هذا الحديث مايلي:
(1) ـــ لم يخرجه أهل الصحاح ــ البخاري ومسلم ــ وإنما أخرجوا حديث عوف بن مالك الاشجعي، رضي الله عنه، وأحد ألفاظ البخاري هو: «اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس. موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً»، والهدنة إنما تكون بين الأطراف المتحاربة لإيقاف القتال، لا بين الأحلاف! وأخرج مثله عن عوف بن مالك الاشجعي، رضي الله عنه، بألفاظ متقاربة كذلك ابن ماجة والحاكم والطبراني ونعيم بن حماد في الفتن، كما أخرج أحمد والطبراني في الكبير عن معاذ رضي الله عنه مثله حيث يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «... موت يـأخذ في الناس كقعاص الغنم، وأن يغدر الروم فيسيرون بثمانين بنداً تحت كل بند اثنا عشر ألفا»، وهذا الغدر إنما هو نقض العهد بالهدنة، كما هو مشار إليه في حديث معاذ، رضي الله عنه، ومصرح به في حديث عوف بن مالك الاشجعي، رضي الله عنه، السابق، ومصرح به كذلك في الحديث الآتي الذي أخرجه الحاكم عن أبي هريرة: «... وفتنة تكون بينكم لا يبقى بيت مسلم إلا دخلها، ثم يكون بينكم وبين بني الأصفر هدنة فيغدرون فيسيرون في ثمانيين غاية تحت كل غاية إثنا عشرة ألف»، كما أخرج أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «.. وموت كقعاص الغنم ــ أربع، وهدنة تكون بينكم بين الأصفر يجمعون لكم تسعة أشهر كقدر حمل المرأة ثم يكونون أولي بالغدر منكم ــ خمس، وفتح مدينة..».
فحديث عوف بن مالك هو الأصح، سنداً ومتناً، و يعضده حديث أبي هريرة وحديث عبدالله بن عمرو بن العاص، لا يذكر مشاركة للروم في الغزو والقتال، فالأرجح أن تكون قصة المشاركة في القتال الواردة في حديث ذي مخبر غير محفوظة لمعارضتها لما هوأصح من الأحاديث، فالحادثة واحدة ولا شك، وهي تلك الأحداث والملابسات الجسام المؤدية إلى الملحمة الكبرى، ويتعذر الجمع بين تلك الروايات المتناقضة.
(2) ـــ على فرض صحة الحديث فهو لا يحتوى حكما شرعيا مناقضاً لما اسلفناه، لأنه اخبار عن عمل يقوم به المسلمون في آخر الزمان، وذكر غدر الروم قرينة على ذم هذا العمل وأنه سيجر على الأمة أوخم العواقب من الفتن والملاحم العظيمة.
(3) ـــ على فرض صحة الحديث فإنه يحمل قوله: «تغزون انتم وهم عدواً من ورائكم»، على افراد الروم لا على دولتهم، وذلك لأنه قال: «ستصالحون الروم صلحا تغزون»، والصلح بين المسلمين والكفار إنما يكون، عادة عند جمهور الفقهاء، عند قبولهم الجزية ودخولهم تحت حكم المسلمين، لان الإسلام قد امر المسلمين ان يخيروا الكفار الذين يحاربونهم بين ثلاث: الإسلام أو الجزية أو الحرب، فإذا حصل الصلح وهم كفار لايكون الا في حال دفع الجزية ودخولهم تحت الراية الإسلامية. فقوله «ستصالحونهم»، قرينة على أنهم تحت راية المسلمين فهم حينئد افراد، أو على أقل تقدير جماعات وكيانات في حكم الأفراد، كما يشهد لهذا ويقويه ان الحديث ينص على رفع أحدهم للصليب، مما يدل على أن الصليب لم يكن قبل ذلك مرفوعاً وهذه قرينة قوية على أنهم كانوا حتى ذلك الغدر تحت راية المسلمين وقيادتهم، لا يرفعون الصليب ولا يظهرونه، اما بالنسبة للقوات الامريكية التي احتلت دول الخليج مؤخراً فالصليب مرفوع ظاهر صراحاً في رايات عدد من الدول، مثل: بريطانيا، وهو على كتف كل جندى امريكى ومعلق في عنق كل مجندة.
كل ذلك يؤكد أن المراد بالحديث الروم افرادا، لا كدولة، أو على أقصى تقدير جماعات وكيانات في حكم الأفراد، ويوجب حمله على هذا، وذلك على فرض صحة متن حديث ذي مخبر، وبذلك يتبين أنه لا يوجد دليل صحيح، يسلم من المعارضة، يدل على جواز الاستعانة بالمشركين كدولة، بل الادلة صريحة قاطعة في عدم جواز ذلك مطلقاً.
هذا كله بالنسبة للاستعانة بالكافر أن يقاتل بنفسه مع المسلمين، أما الإستعانة بالكافر بأخذ السلاح منه، فانه يجوز سواء أكان السلاح من فرد أو من دولة، على أن يكون ذلك إعارة مضمونة، لما روي أنه لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير الى هوازن ليلقاهم ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعاً وسلاحاً فارسل إليه وهو يومئد مشرك فقال: (يا أمية! أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غداً، فقال صفوان: أغصبًا يامحمد؟ قال: بل إعارة مضمونة حتى نؤديها لك، فقال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيهامن السلاح، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفيهم حملها ففعل) فهذا واضح فيه أن الرسول استعان بكافر بأخذ السلاح منه، وهو وإن كان فرداً الا أنه رئيس قبيلة. على ان مجرد اخذ السلاح من كافر دليل على جواز اخذه من الكافر مطلقاً مالم يرد دليل يخصص عدم الإستعانة بهم كدولة كماهي الإستعانة في القتال. لكنه لم يرد دليل يمنع اخد السلاح من دولة فيظل على إطلاقه من جواز أخذه من الكافر مطلقاً إعارة مضمونة، اوشراء بالثمن، أو حتى قبولاً لهدية غير مشروطة. على ان أخذ الدولة السلاح إنما يحصل غالباً من دولة. وعليه يجوز الاستعانة بأخذ السلاح من دولة كافرة.
أما دخول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مكة في جوار المطعم بن عدي، فلا محل له ها هنا لأنه يدل على جواز دخول الفرد المسلم في جوار وحماية أهل المنعة من الكفار، ولا علاقة لهذا بالأحكام المنظمة لعلاقة الدولة الإسلامية بدول الكفر وأفراد الكفار.
وكذلك دخول أبي بكر رضى الله عنه في جوار ابن الدغنّة أيام اشتداد البلاء بالمسلمين في مكة قبل الهجرة إلى المدينة ــ كما أخرجه البخارى ــ فهو من هذا الباب كسابقه، لا علاقة له بموضوعنا هذا.
وكذلك دخول المسلمين أفراداً بعد هجرتهم إلى الحبشة تحت سلطان النجاشي لا علاقة له بموضوعنا هذا، وهو دليل على جواز دخول المسلم تحت سلطان الكفر واقامته في دار الكفر إذا أمن على دينه ونفسه. كما أنه دليل على جواز طلب الجوار والحماية (اللجوء السياسي) لأفراد المسلمين من دولة كافرة، ولا علاقة لهذا بموضوع الإستعانة بدول الكفر في قتال المسلمين. ويشبه ذلك حماية أبي طالب طوال حياته لرسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بدافع من العصبية والنخوة بالرغم من كونه مشركاً، وكذلك مناصرة بني هاشم وبني المطلب مسلمهم وكافرهم للنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأصحابه في مواجهة حصار قريش لهم في شعب بني عامر بناءاً على صحيفتهم الظالمة، فذلك كله جائز ولا علاقة لهذا بالإستعانة بدول الكفر في القتال ضد المسلمين.
وكذلك توجه، النبـى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في السنة العاشرة من البعثة بعد اشتداد أذى قريش له بعد وفاة عمه أبى طالب وخديجة رضى الله عنها إلى الطائف طالبا النصرة، قبل التوجه إلى الطائف، وبعده، إلى القبائل المختلفة في موسم الحج طالبا للنصرة لا علاقة له بموضوعنا هذا، لأن طلب النصرة من الطريقة الثابتة في حمل الدعوة لاقامة الدولة الإسلامية فهو من أعمال حامل الدعوة قبل وصوله إلى إقامة الدولة.
مما سبق يتبين، كذلك، بطلان ما استدل به البعض من استئجار رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأبن أبي أريقط دليلا في هجرته إلى المدينة، فهذا يدخل تحت حكم الاجارة، وهذا جائز من المؤمن للكافر ومن الكافر للمؤمن، فضلاً عن ان عقد الاجارة وقع على فرد كان خاضعاًَ لأوامر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتوجيهاته، وليس على دولة ذات سيادة وراية مستقلة، ولم يكن موضوع الإجارة هو القتال، وإنما كان الإعانة في السفر، والدلالة على الطريق. والعجيب أن «الدكتور» ربيع بن هادي المدخلي استشهد بهذه القصة ثم ختم قائلاً: (... ثم أرأيت لو أن عدواً اعترض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في طريق الهجرة وشرع في قتاله وأراد عبد الله بن أريقط أن يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعاً عنه، أكان يمنعه من مشاركته في هذه المعركة ؟) ولا ندري هل أصبح الدكتور ممن يعلم (مالم يكن لو كان كيف يكون)؟؟ ولو أراد الله أن يشرع ذلك، لأذن لمثل هذه الواقعة أن تحدث حتى يشرع ما يناسبها. ولكن هذا شأن المفتونين الهلكى من أمثال المدخلي: يقوِّلون ربهم ما لم يقله، أو يتخيلون وقائع لم تقع، كأنه فات على الرب، جل جلاله، أن يأذن بوقوعها ليشرع ما يلزم لمثل أحوالها، فيستدركون عليه ما فاته بزعمهم، سبحان الله وتعالى عن قول الظالمين علواً كبيراً.
ثم لو وقعت، كما تصوره المدخلي بخياله المريض، لكانت دليلاً على جواز اشتراك أفراد من المسلمين المطاردين الذين ليس لهم دولة تحميهم أو كيان يأويهم، مع أفراد من المشركين، في دفع عدو صائل، بل في دفع أخبث أنواع العدو الصائل ألا وهو: قوة قبيلة أو دولة أو كيان مشرك يريد فتنة أفراد عن دينهم وقتلهم إن لم يرتدوا، فإي علاقة لهذا المناط مع قتال دولة قائمة، تزعم أنها «مسلمة»، لها راية، تحت راية الكفار ضد مسلمين لتدميرهم وإذلالهم؟ ثم المشاركة بعد ذلك على مدى سنوات طوال في حصارهم وتجويعهم والإمعان في تدميرهم وإذلالهم؟؟
أما بالنسبة لقصة سراقة بن مالك الذي كان أول النهار كما قال أنس: (.... جاهداً على نبي الله صلى الله عليه وسلم، وكان أخر النهار مسلحة له) أي حارساً، وقال الدكتور ربيع بن هادي المدخلي نفسه: (لقد علمت كيف بذل ماله للرسول صلى الله عليه وسلم ثم تحول وهو على شركه إلى جندي، قام بما لم يقم به الجيش في الذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شهد له أبو بكر بهذا العمل العظيم، وشهد له بالوفاء). فهل في وضع سراقة بن مالك وهو فرد واحد تحول من طالب لجائزة قريش إلى جندي وحارس للنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو فرد جند نفسه لحراسة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يأتمر بأمره ويخضع لتوجيهه، هل في هذا الوضع أدنى مشابهة لجحافل قوات دول الغرب الكافرة التي جاءت تحت راياتها الكفرية، ورايتها مرفوعة خفاقة، واستعمرت جزيرة العرب، ودمرت العراق، ومازالت تحاصره؟؟؟
إن استشهاد الدكتور المدخلي ــ وأمثاله من المفتونين وفقهاء السلاطين ــ بمثل ذلك لهذا مصداق لقوله تعالى: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور!!! وهو كذلك تأكيد أن هذه الأمة ليست بمنجى مما ابتلي به بنوا اسرائيل، في أحبارها، من تحريف الكلم عن مواضعه، وإبراز ما يعجبهم من كتاب الله وإخفاء ما لا يناسب أهواءهم ومقاصدهم.
أما ما نصت عليه صحيفة المدينة فان واقعها لا ينطبق على واقع الحال فيما جري في الاحداث الأخيرة أثناء أزمة الكويت من استقدام لدول الكفر، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل إلى المدينة وكان اليهود والأنصار أهل الدار من قبله، وإنما كان دخيلاً عليهم، ومع ذلك فقد خضع اليهود بموجب هذه الصحيفة لسيادة الإسلام، تحت حكم الله ورسوله، فكان من الخطأ الفادح مقارنة هذا المناط مع مجريات الأحداث الآخيرة والتي بموجبها استدعى الكفار من وراء البحار وصارت لهم الهيمنة والسيطرة على المسلمين وبلادهم، بل أصبحوا يشكلون جيش احتلال اجنبي كافر. ثم إن كيان الإسلام في صدر الهجرة كان وليداً حدثا، وقد أثبتت روايات السيرة لاحقا النهي عن الإستعانة بالكفار حال كونهم طائفة مستقلة كما أسلفنا القول.
ونكرر القول أنه لم يحدث ابداً في عهد رسول الله أن إستعان بكافر على مسلم أو أنه أجاز ذلك، وإنما كانت الإستعانة إن وجدت على كل حال على الكافرين والمشركين ولم تكن على مسلم قط، ويشهد لذلك امتناع أبي بكر رضي الله عنه عن محاربة بعض المرتدين ببعض، لا بل أنه رفض الاستعانة ببعض من ارتد سابقاً، حتى بعد عودتهم إلى الإسلام، في حربه الفارس والروم رغم حاجته الماسة الى الرجال!
ومن أراد الاستزادة من فقه هذا الباب فعليه بالرجوع إلى الكتب المختصة ومنها:
(1)ــ (الإستعانة بغير المسلم) للدكتور عبد الله الطريقى (رسالة دكتوراه).
(2)ــ (احكام أهل الذمة) للأمام ابن القيم.
(3)ــ (المغنى) للأمام ابن قدامة في أبواب قتال أهل البغى، وأبواب الجهاد، والغنيمة.
(4)ــ (نيل الأوطار) للأمام الشوكاني الجزء الثامن ــ باب الإستعانة بالمشركين.
(5)ــ (نقد القومية العربية) للشيخ عبد العزيز بن باز ، ص 29 وما بعدها، نشر المكتب الإسلامي - الطبعة السادسة 1408هــ.
(6)ــ (الإستعانة بغير المسلمين في الجهاد الإسلامي) دكتور عثمان محمد شبير، مقالة في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية ــ السنة الرابعة العدد السابع ــ شعبان 1407هـ