|
الديمقراطية الأميركية والإمبريالية ...
صدر كتاب فكري سياسي حديث في الولايات المتحدة في الثاني من أيلول سبتمبر الماضي عن دار نشر Penguin Audiobooks ، من تأليف الكاتب والأكاديمي الأميركي كورنل ويست. اسم الكتاب : Democracy Matters: Winning the Fight Against Imperialism . " قضايا الديمقراطية : كسب الكفاح ضد الإمبريالية ".
تشخيص متجهم للديمقراطية الأميركية
يعتبر هذا الكتاب بمثابة متابعة لكتاب شهير أصدره المؤلف عام 1993 Race Matters . يقدم الكتاب تشخيصا متجهما لديمقراطية الدولة الأميركية الحديثة. يرى المؤلف أن المؤسسات الأميركية تعاني من تطرف الأسواق الحرة والعسكرية المغامرة وفاشستية متصاعدة authoritarianism ، حيث القوى تمسك بزمام الأمور وتبذل الجهود لتحقيق نتائج سياسية واجتماعية على صعيد العالم. يعتقد ويست أن هذه المشاكل تترافق مع شعور العدمية في أروقة السلطة الأميركية ، و يعتبر أن هذا ما يجعل المشرّعين يشعرون أنهم مستقيمون لأنهم أقوياء رغم معرفتهم ضمنا بتقبلهم لأشياء جائرة، كما أن الصحافة تضحي بالحقيقية والبحث مقابل إثارة القصص العاطفية المثيرة. يدعو ويست إلى المسيحية المثالية التي تحقق فهما لجيل الشباب وثقافته.
الديمقراطية من خلال محاربة الفساد الإمبريالي
يعتقد مؤلف الكتاب أنه إذا أرادت الولايات المتحدة نشر بذور الديمقراطية في العالم democratization ،وخاصة في الشرق الأوسط ،عليها أن توقظ وتحقق في التاريخ الطويل للفساد الإمبريالي الذي أصاب الديمقراطية الأميركية بكارثة كبيرة. ويتابع بأن إخفاق الولايات المتحدة، أن تكون راعية تنهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتوقف كراهية الإسلاميين المناهضين لأميركا، يرجع إلى ريائها ونفاقها hypocrisies في تعاملها مع العالم. يقول ويست إن التوسع العنصري والإمبريالي ذهبا يدا بيد في الولايات المتحدة نحو الهيمنة hegemony والحياة العسكرية الأميركية الآن . عسكرة الواقع الأميركي هو النقلة الحديثة لهذا التعاون بين العنصرية والإمبريالية. يعتقد ويست أن التطرف الأميركي أصبح في حلف غير مقدس مع نخب سياسية إمبريالية ، وبعد أربعة عقود على اغتيال مارتن لوثر كينغ ما زالت العنصرية تلاحق الكثير من مواطني الولايات المتحدة. يدعو ويست إلى إعادة إحياء revitalization الديمقراطية الأميركية التي تواجه الفساد الإمبريالي ، وذلك من خلال حركة الحقوق المدنية طالما قادها مناضل هو مارتن لوثر كينغ وبذلك يمكن فتح نقاش جديد حول الدور الأميركي الجديد في عالم محشو بالنزاعات والمشاكل.
نقد للعدمية الجمهورية والديمقراطية
والمؤلف ويست لم ينشر كتابه دعما لحزب سياسي أميركي على حساب الآخر ؛ وإنما انتقد جميع الأحزاب متهما إياه بالعدمية والإمبريالية ، حيث يشير إلى الجمهوريين الذين استخدموا العدمية من خلال العسكرة وفرض السلطة والسيطرة وينتقد الديمقراطيين المتورطين بالفساد الإمبريالي واستغلال وسائل الإعلام لحرفها عن نشر الحقائق. ويطالب مؤلف الكتاب بالأمن لإسرائيل إلا أنه بنفس الوقت يطالب بالحرية للشعب الفلسطيني.
الديمقراطية من خلال العدالة والتمسك بالأمل
إذن ، إن الديمقراطية الأميركية تعرضت للتهديد المباشر – حسب الكاتب – من قبل ثلاثة أمور : التعصب في اتجاه بناء السوق الحرة ، العسكرة العدوانية المغامرة ، و تصاعد الفاشستية . ولكن ما هو الحل ؟ يقول المؤلف إنه لكي تنجو الديمقراطية الأميركية يجب الاستعانة أولا بمبدأ سقراط في التساؤل ثم الالتزام بالعدالة والأمل التراجيدي الكوميدي في آن معا tragicomic . وهذا الأخير يعني "الأمل الذي تمسك به السود في أميركا في صراعهم من أجل الحرية".
أشكال العدمية السياسية للنخبة الأميركية
تأتي العدمية السياسية للنخبة في الأمة الأميركية في أشكال مختلفة . أولها العدمية الإنجيلية ''Evangelical nihilism'' وهي الإعتقاد القائل " لن نكون أقوياء إذا لم نكن على صواب " ولا علاقة لها بالمسيحية الإنجيلية ودعا ويست العدمية هنا بالإنجيلية لأن الذين يعتقدون أن السلطة تأتي بالحق والصواب تتشكل لديهم نزعة لكي يصبحوا عسكريين دون احتمال أي رأي معارض. النوع الثاني هو العدمية الأبوية ''paternalistic nihilism" . في هذا النوع يعتمد ويست على مقاطع أدبية وردت في أدب ديستوفيسكي ، وبعضها يقول :" لا يوجد عناية معذبة للإنسان وهو حر أكثر من أن نجعله ينحني بأقصى سرعة ممكنة ". هنا تكون رحمة الحاكم والسياسي للجماهير عبارة عن خداع لها كما تفعل هيلاري كلينتون وجون كيري اليوم - كما يعتقد ويست.
النوع الثالث هو العدمية الوجدانية أو العاطفية ''sentimental nihilism". الجماعة المذنبة هنا هي صناعة الأخبار التي تبعد الحقائق غير المرضية وغير الشائعة حتى تقدم عرضا مثيرا عاطفيا مُرْضيا. ويضرب مثلا عن الذين تحدثوا عن ضرورة إنهاء العبودية وذكروا ذلك في أدبهم ولكنهم دائما تجاهلوا بعض الحقائق والأمثلة الآن في غرف الأخبار الأميركية أكثر من أن تعد وتحصى مثل قصة Jessica Lynch .
من هو مؤلف هذا الكتاب
مؤلف الكتاب كورنل ويست هو أستاذ الدين في جامعة Princeton University ، وحاصل على جائزة American Book Award كما نال أكثر من عشرين درجة شرف ، وله أشهر الكتب منها Race Matters عام 1993الذي بيعت منه أكثر 400 ألف نسخة ، ومن كتبه الأخرى The American Evasion of Philosophy .
خاتمة :
من يقرأ هذا الكتاب يتخيل للوهلة الأولى أن البلد الذي يتحدث عنه المفكر الأميركي كورنل ويست هو بلد إفريقي تحكمه عصابة أثرياء وتجار أو بلد عربي نال منه الاستبداد. ولكن حتى اليوم لم أسمع أن الرئيس بوش أو جهاز المخابرات المركزية أو الفيدرالية أصدروا أمرا باعتقال ويست ، كما أن الكتاب منشور في قلب الولايات المتحدة وليس في عاصمة أوروبية ولم تمنعه الرقابة ومؤلفه لا زال على قيد الحياة يعلق على كتابه ويشرحه من محطة فضائية إلى أخرى. هنا ، وفي لحظات قراءة هذه الكتب ، يجب أن يدرك مثقفون عرب أعلنوا وفاة الحرية في أميركا أن هذه الحرية موجودة وهم أنفسهم يحلمون بها ، وسيقولون أن مؤلف الكتاب نفسه تحدث عن تحطم الديمقراطية الأميركية .. ربما نعم .. ولكنه تنعم بها وبخيراتها حتى أخر رمق!!
حيان نيوف ....

__________________
اذا تجردت من العواطف جرك عقلك الى الحقيقه ....
التعديل الأخير تم بواسطة Khaled 100 ; 08-10-2004 الساعة 09:33 AM
|