عمر بن الخطاب وقصة إسلامه
تولى الخلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما أداركم ما عمر يا عباد الله! هو الذي كان قبل أن يسلم أعدى الأعداء للإسلام وأهل الإسلام، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام أن ينصر الله الإسلام بأحد العمرين: عمرو بن هشام أبو جهل أو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فسبقت السعادة ولله الحمد والمنة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وباء أبو جهل بالخيبة والخسران واللعنة ومأواه النار.
ففي يوم من الأيام خرج عمر بن الخطاب متقلداً السيف، فلقيه رجل من بني زهرة، قال: أين تذهب يا بن الخطاب ، فقال: أريد أن أقتل محمداً.
قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة إذا قتلت محمداً؟
فقال له عمر : ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي كنت عليه.
فقال: أفلا أدلك على ما هو أعجب من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أختك وختنك -أي: زوج أختك- قد تركا دينك الذي أنت عليه.
فمشى عمر ذامراً، حتى أتاهما وعندهما رجلٌ من المهاجرين يقال له: خباب بن الأرت رضي الله عنه، فسمع خباب حس عمر فتوارى، فدخل على أخته وزوجها، فقال لهما: ما هذه الهيمنة التي سمعتها عندكم؟ وكانوا يقرءون سورة طه، يقرءوهم إياها خباب .
فقالا: ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا، قال: فلعلكم قد صبوتما؟ فقال له زوج أخته: أرأيت يا عمر ! إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على زوج أخته فوطأه وطأً شديداً، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها، فنفحها بيده -أي: لطمها- فقالت وهي غضبى: يا عمر ! إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فعندما رأى عمر رضي الله عنه الدم في وجه أخته، رق لها، وبدأت الرحمة في قلبه، فقال لأخته: أعطوني الكتاب الذي عندكم، فأقرأه وكان عمر يكتب، فقالت أخته: إنك رجسٌ ولا يمسه إلا المطهرون، فاغتسل وتوضأ، قال: فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ من قوله تعالى من سورة طه: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طـه:1-8].
فقرأها عمر إلى قوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طـه:14] وعندما قرأ عمر هذا القرآن، الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، وكان عمر في أول جاهليته وهو متلبس بأنجاسه وأدران شركه، فعندما قرأ عمر هذا القرآن بدأت الروح الإيمانية تدب في جسم عمر ، وكم يقرأ القرآن! وكم يتلى القرآن! وكم يسمع القرآن! قلوب كثير من المسلمين غافلة، وعن هديه متباعدة، فهذا عمر جاهلي مشرك لا يعرف الإسلام عندما سمع تلك الآيات القرآنية التي أنزلها رب العزة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أنزلها شفاءً لما في الصدور، قرأها عمر بدأت الروح الإيمانية تدب في جسم عمر ، وبدأت غيوم الجاهلية تنقشع عن قلب عمر .
فقال: دلوني على محمد، فلما سمع خباب قول عمر ، خرج من البيت، فقال: أبشر يا عمر ! فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ليلة الخميس، فإنه قال: {اللهم أعز الإسلام بـعمر بن الخطاب أو بـعمرو بن هشام } أي: أبو جهل ، وسبقت السعادة لـعمر بن الخطاب .
إعلان عمر لإسلامه
قالوا له: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار التي في أصل الصفا ، فانطلق عمر متوشحاً بسيفه حتى أتى الدار، قال: وعلى باب الدار حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلحة رضي الله عنهما وأناس من الصحابة، فلما رأى حمزة وجل القوم، أي: خوفهم من عمر ، قال حمزة : نعم فهذا عمر فإن يرد الله بـعمر خيراً يسلم، ويتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وإن يرد الله غير ذلك يكن قتله علينا هيناً.
قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم داخل الدار يوحى إليه، فقال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أتى عمر ، فأخذ بمجامع ثوبه، وحمائل السيف وقال: {أما أنت بمنته يا عمر ! حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بغيرك؟ } فقال عمر : [[يا رسول الله! جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله ]] قال: فكبر رسول الله، ونحن نكبر ثم نكبر: الله أكبر! الله أكبر! خرج مقاتلاً لرسول الله، ثم لم يمضِ هنيهة من الوقت، إلا وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
أثر إسلام عمر على المسلمين
فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف أهل البيت أن عمر قد أسلم، ولما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان رجلاً ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: [[ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر رضي الله عنه، فلما أسلم عمر قاتل قريشاً حتى وصل إلى الكعبة وصلى وراء المقام ]] وصلى معه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما قال: يا رسول الله! ألسنا على حق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى، فقال: لنخرج.
فخرج عمر رضي الله عنه، وجعل يعلن إسلامه بكل مجلس كان يعلن به الكفر، قال ابن مسعود رضي الله عنه: [[ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب ]] وقال ابن مسعود أيضا: [[إن إسلام عمر كان فتحاً، وهجرته كانت نصراً، وإمارته كانت رحمة ]].
أثر عمر على الخلافة
وبعد أن هاجر رضي الله عنه، وتولى الخلافة بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه فتح الفتوحات، ومصر الأمصار، ودون الدواوين، وجاهد في الله حق جهاده، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج في عدة سرايا، وهو أول من دعي: أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ الهجري، الذي يحاول أعداء الإسلام الآن أن يحلوا محله التاريخ الميلادي، ميلاد عيسى بن مريم، تاريخ النصارى، ليحلوا محل التاريخ الهجري الذي أول من كتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ }.
اكتبوا التاريخ الإسلامي، اكتبوا التاريخ الهجري يا عباد الله! وابتعدوا عن مشابهة اليهود والنصارى.
عمر بن الخطاب الذي أحيا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث جمع الناس على صلاة التراويح في رمضان، فإن صلاة التراويح صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركها خشية أن تفترض على الأمة، رحمة بأمته صلى الله عليه وسلم، وأحيا تلك السنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجمع الناس على صلاة التراويح في رمضان.
عمر بن الخطاب أول من عس بـالمدينة ، كان متواضعاً في الله، خشن العيش، خشن المطعم، شديداً في ذات الله، يرقع الثوب بالأديم، ويحمل القربة على كتفه وهو أمير المؤمنين، ويركب الحمار، وكان قليل الضحك، لا يمازح أحداً، وكان نقش خاتمه كفى بالموت واعظاً يا عمر .
تواضع عمر
يقول طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: خرج عمر رضي الله عنه ليلة في سواد الليل، فدخل بيتاً فلما أصبحتُ ذهبتُ إلى ذلك البيت، فإذا عجوز عمياء مقعدة، فقلت لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ فقالت: إنه يتعهدني مدة كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، الله أكبر! ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
تفقد عمر للرعية
قال أسلم رحمه الله: خرجت ليلة مع عمر إلى حرة، وأقام حتى إذا كنا بصرار إذا بنار، فقال: يا أسلم ! هاهنا ركب قد قصر بهم الليل، انطلق بنا إليهم، فإذا امرأة مع صبيان لها وقدر منصوبة على النار، وصبيانها يتضاغون، أي: يصيحون، فقال عمر : السلام عليكم يا أصحاب الضوء! قالت: وعليك السلام، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: من الجوع، فقال: وأي شيء على النار، قالت: ماء أعللهم به حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر !
فبكى عمر رضي الله عنه، ورجع يهرول إلى دار الدقيق، فأخرج عدلاً من دقيق، وجراباً من شحم، وقال: يا أسلم ! احمله على ظهري، فقلت: أنا أحمله عنك يا أمير المؤمنين! فقال: أنت تحمل أوزاري يوم القيامة؟!
فحمله عمر على ظهره، وانطلقنا إلى المرأة، فألقى عن ظهره الدقيق، وأخرج من الدقيق فرماه بالقدر، وألقى عليه من الشحم، وجعل ينفخ تحت القدر عمر بن الخطاب الخليفة الراشد، الفاروق أفضل الأمة بعد رسولها وبعد أبي بكر رضي الله عنه، جعل ينفخ تحت القدر، والدخان يتخلل لحيته، ثم أنزلها عن النار، وقال: ائتني بصحفة، فأوتي بها، فافرغ فيها، ثم تركها بين يدي الصبيان، وقال: كلوا، فأكلوا حتى شبعوا والمرأة تدعو له، وهي لا تعرفه، فلم يزل عندهم حتى نام الصغار، الله أكبر! يا لك من خليفة! أحنُ من الآباء والأمهات، إنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فلم يزل عندهم حتى نام الصغار، ثم أوصى لهم بنفقة، وانصرف ثم أقبل على أسلم ، فقال: يا أسلم ! الجوع الذي أسهرهم وأبكاهم.
تلكم القليل من فعال عمر بن الخطاب ، الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إني رأيت قصراً في الجنة من ذهب أحمر، فقلت: لمن هذا؟ قيل: لشاب من قريش } إنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي يقول: يا ويح أم عمر إن لم يغفر الله لـعمر ! الله أكبر! إنه عمر رضي الله عنه.
وفاة عمر رضي الله عنه
إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما فرغ من الحج سنة ثلاث وعشرين، ونزل بـالأبطح دعا الله عز وجل وشكى إليه أنه قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وانتشرت رعيته، وخاف من التقصير، وسأل الله أن يقبضه إليه، وأن يمن عليه بالشهادة في بلد النبي صلى الله عليه وسلم.
في صحيح الأخبار أنه كان يقول: [[اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك ]] فاستجاب الله هذا الدعاء، وجمع له بين هذين الأمرين، الشهادة في المدينة .
ففي يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة ضربه أبو لؤلؤة المجوسي الأصل، وهو قائم يصلي الصبح رضي الله عنه، عمر بن الخطاب قائم يصلي الصبح بالناس يؤم المسلمين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربه المجوسي بخنجر ذات طرفين ثلاث ضربات، وقيل ست ضربات، إحداهن تحت سرته فقطعت الصفاق، فخر من قامته رضي الله عنه، واستخلف عبد الرحمن بن عوف ، ورجع المجوسي لعنه الله، رجع بخنجره لا يمر بأحد إلا ضربه، حتى ضرب ثلاثة عشر رجلاً مات منهم ستة، فألقى عليه رجلاً من المسلمين بردة، فلما رأى أنه قد تمكن منه المسلمون نحر نفسه لعنه الله.
وبعد ذلك حمل عمر رضي الله عنه إلى منزله والدم يسيل من جرحه وذلك قبل طلوع الشمس، فجعل يفيق ثم يغمى عليه، ثم يذكرونه بالصلاة فيفيق ويقول: [[لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ]] ثم صلى في الوقت، ثم سأل عمن قتله من هو؟ فقالوا له: هو أبو لؤلؤة المجوسي ، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي إلا على يد رجل يدعي الإيمان، ولم يسجد لله سجدة، ومات رضي الله عنه، ومات عمر بن الخطاب ، مات الخليفة الراشد، مات الذي ملأ أقطار الدنيا بالعدل، مات الخليفة الزاهد، مات عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ودفن يوم الأحد بالحجرة النبوية، إلى جانب الصديق ورسول الله صلى الله عليه وسلم.