غبار السنين يتمرّد أمام ناظري ...
يحاول يائساً نزعكِ من داخلي .. ونزع ذكراكِ من وجداني ...
لكن ...
هيهات أيها الغبار ...
سنوات ثلاث وقليل من الشهور .. تجمع كامل قواها وعتادها ضدّ ذاكرتي المُضناة بأنين الفراق
الأبدي .. ذلك الفراق الذي لا رجعة فيــــه .. تحاول أن أقسى أو أنسى لكن .. هيهات هيهات
أفتح باب غرفتكِ الذي أقفلته منذ يوم الرحيل الأخير ... آآآهٍ أيتها الذكرى مهلاً فأنا هنا أبحث عن
ذاتي .. أبحث عن بقايا الإنسان الممزّق بين حنايا الأيام وحيداً ... شعور الخوف .. الرهبة ...
الحنين يجتاح كل ذرّاتي وكريات دمي الحمراء والبيضاء ...
أبعْد هذه الأيام المؤلمة سيُبدّل الحب دارة ... وتهجر العصافير ألحانها ... وتلك الديارُ التي كانت
يوماً ما دياراً ستبقى ترانا كما نراها قفاراً ...لا أعتقد
مدامعي تسبقني لعناق باب غرفتكِ يا سيّدة النساء .. مشاعري معاقة ... قلبي كسير .. أطرافي لا
تقوى المسير ... ناظري حائر متقلّب بين صفحات الزمان والمكان ...
أنظر هناك .. حيث تسريحتكِ وقد تناثرتْ فوقها بعض عطوركِ التي عشقتها لأجلكِ .. يا سيّدة النساء
ألمح قليل مكياجكِ وقد جار الزمان به كما جار بي ...وبعض خصلات شعركِ المُبعثر هنا وهناك شتتّهُ
الموت في كل أرجائي ... ألملم آهاتي وأحزاني .. أمسح بها مرءآة تسريحتكِ لعلّي أرى طيفكِ
يحادثني ..يبدد وحدتي ... يمسح دمعتي .....ينير ضُلمة ليلتي ... فلا مُجيب
أفتح أدراج مكتبكِ الذي طالما تباها بلمس يديكِ الطاهرتين ... يا إلهي .. ماذا أجد !!!
أدوية وعلاجات .. ليتها تجدي أو ليتها نفعتْ ذلك الجسد النحيل المُنهكِ الشريف ... لماذا أنتِ هنا
أيتها الأدوية والعلاجات .. فقد رحلتْ وبقيتي أنتِ ... إلهي إرفق بي
أفتش بين الأدوية عن آثاركِ .. عن أوجاعكِ .. عن أنّاتكِ ... فلا أجد سوى خاتمكِ يا سيّدة
النساء .. سقط من إصبعكِ لم يحتمل البقاء ... حتى الخواتم سقطت ... يالقسوة السقوط .. حملتهُ
بين راحتي وضممتهُ وكأني أضم يديكِ إلى وجنتيّ .....لماذا أيها الخاتم ودّعتها .. لماذا تركت
يدها ... لماذا غادرت أناملها .. فلا مجيب
فتحت دولاب ملابسكِ .. بعد أن أغلقوهُ آخر مرّة .. بعد أن ألبسوكِ ثوباً أبيضاً طاهراً كفستان زفافكِ
لملموا جسدكِ العفيف فيهِ وحملوكِ على الأعناق ورحلوا عنّي وتركوني أموت كلّ يومٍ بعدكِ ...
أفتش الفاساتين لعلي أجدكِ ... أو لعلي ألمسكِ ... فما أصعب أن أعيش بين ماضٍ مُثقل بالأفراحِ
وبين حاظرٍ ينزف دمعاً ودماً .. فحنيني لكِ يُعذّبني ويُشعل في داخلي أنين ودعاء
نعم هذا هو فستانكِ المُفضّل .. أخذتة .. ضممته إلى قلبي حتى مزّقني العناق ... قبّلته وشممته فإذا
بذكراكِ وشذاكِ وعطركِ تصرخ في جدران زماني ... صوتكِ يلّف مشاعري بغلاف الحب العفيف الذي
طالما أرتويت منه بقربكِ يا سيّدة النساء ...
إجلس بجانبي يا فستانها ... أناشدك بالله يا فستانها أجبني فقد أستبد الوجد بي ... وأرتوت روحي من
مدامعي لفراقها .. كيف أنّ تلك الإنسانة قد أصبحت حديث من أحاديث الذكرياتِ ؟.. لا مُجيب
يا فستانها ... لن أنساها نعم لن أنساها كما لن تنساها أنت ... لا تخجل يا فستانها فشاركني البكاء
بل شاركني الأنين فكلانا قد لامسناها وشعرنا بدفء مشاعرها وإحساسها عن قرب ... وعرفنا من
تكون وكيف تكون ...
إنها سيدة النساء ... رحلتْ أم بقتْ
نعم ...
ستظلّين سيّدة النســـــاء
خرجتُ أجرُّ أكوام الحزنِ والدموع خلفي .. أغلقتُ باب غرفتكِ ... لكنني لم ولن أغلق باب قلبي الذي
تحيين فيه ...
وحدكِ .
*****************
إهداء إلى روح زوجتي الراحلة .. رحمها الله رحمة واسعة
فقط أدعوا لها بالرحمة
أخيكم .