|
على تلكم الصخرة تحطمت عروش الضلالة,,,
من أعظم أنواع الافتراق، وأشدها فتكاً بالناس الافتراق في الدين؛ لأن الافتراق فيه يؤدي إلى افتراق القلوب والأبدان، بل يؤدي إلى الفتنة والعداوة والبغضاء والاقتتال.
وحين أراد الله تعالى هدايتنا ونجاتنا بعث إلينا نبياً واحداً، وأنزل عليه كتاباً واحداً، وجعل لنا ديناً واحداً وقبلة واحدة؛ لتجتمع القلوب على عبادة رب واحد لا شريك له، بعد أن كانت العرب تعبد بالباطل آلهة كثيرة؛ ولذا استنكروا ذلك وقالوا (أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [ص:5].
فكانت أمة الإسلام أمة واحدة بعبادتها لربها، واتباعها لنبيها، وقراءتها لكتابها، واستقبالها لقبلتها (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:92]. أي: إن هذه شريعتكم شريعة واحدة، ودينكم دين واحد، وربكم واحد فلا تتفرقوا في الدين.
ومن استقرأ القرآن الكريم وجد آياته تكرس في وجدان المسلم الانتماء إلى الأمة الواحدة، والاجتماع على الدين، وتحذر من الفرقة والاختلاف، وتبين أن أعظم سبب للفرقة والاختلاف هو التخلي عن الدين كله أو شيء منه. أما إذا تمسك أفراد الأمة كلهم بمحكمات الدين وفرائضه فلن تقع فيهم فرقة أبداً، ولن يظفر أعداؤهم منهم بشيء البتة، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم؛ إذ تحطمت قوة المشركين، ومكائد اليهود، ودسائس المنافقين على صخرة الاجتماع على الإيمان والتقوى.
وكل آية ذكر فيها الاجتماع، وحذر فيها من الافتراق نجد فيها ذكراً للدين ومفرداته، وهذا يؤكد أن كل اجتماع في الأمة إنما سببه التمسك بالدين، كما أن كل فرقة سببها ترك شيء من الدين (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران:103] وحبل الله هو دينه وكتابه واجتماع الأمة عليه.
وفي آية أخرى يوصينا بذلك ربنا العليم الحكيم؛ وما أعظمها من وصية لو وعيناها وعملنا بها (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153] فأمر باتباع صراطه وهو دينه، ونهى عن تركه كله أو شيء منه إلى سبل أخرى فيقع الافتراق عن سبيله، ومن ثم تفترق الأمة بأجمعها.
ولعظيم هذه الوصية الربانية كررت في موضع آخر من كتاب الله تعالى مع الإخبار أنها وصية الله تعالى لنا وللأمم التي كانت قبلنا (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشُّورى:13] تأملوا عظم هذه الوصية الربانية التي وصى بها ربنا سبحانه أولى العزم نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ثم وصى به محمداً صلى الله عليه وسلم، وصاهم أجمعين بقوله تعالى (أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشُّورى:13] فهل ترونها وصية هينة وقد كررت في القرآن، وتتابعت وصية الله تعالى بها للبشر أمة بعد أمة، ونبيا في إثر نبي؟!
ثم أكدت هذه الوصية العظيمة بتهديد من أخل بها، وذلك بسلبه شرف الانتماء للنبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) [الأنعام:159] أي: أنت منهم بريء وهم بريئون منك؛ وما أعظم خسارة من بريء منه النبي صلى الله عليه وسلم!! قالت أم سلمة رضي الله عنها: "لِيَتَقِيَنَّ امرؤ أن لا يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء".
ورغم تحذير الله تعالى هذه الأمة من التفرق في الدين، وتحذير رسوله صلى الله عليه وسلم منه إلا أن داء الأمم السابقة سيصيبها؛ فوقع كثير من أفرادها في تفريق الدين، والاختلاف فيه، فكان ذلك سبب افتراقها وهوانها.
ولكن الناصح الأمين صلى الله عليه وسلم أخبر من أراد من أمته النجاة بما ينجيه عند الافتراق فقال صلى الله عليه وسلم: "دَعُونِي ما تَرَكْتُكُمْ إنما أهلك من كان قَبْلَكُمْ سؤالهم وَاخْتِلَافُهمْ على أَنْبِيَائِهِمْ فإذا نَهَيْتُكُمْ عن شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وإذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ" رواه الشيخان. فتأملوا -رحمكم الله تعالى- كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر هلاك بني إسرائيل باختلافهم على أنبيائهم قرن ذلك بالأخذ بالدين وعدم تفرقته فأمر بفعل ما يستطاع من الأوامر، وباجتناب النواهي.
وأبين من ذلك وأعظم أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل التمسك بالدين عند الافتراق موضوع وصيته العظيمة التي ودّع الصحابة رضي الله عنهم بها، فذرفت منها عيونهم، ووجلت قلوبهم، فسألوه الوصية فأخبرهم بما يقع من التفرق في الدين والاختلاف عليه، ثم بين لهم ما ينجيهم فقال صلى الله عليه وسلم: "فإنه من يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسَنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عليها بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَالْمُحْدَثَاتِ فإن كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ"رواه الدارمي.
أيها القراء الكرام:إن الافتراق في الدين ينشأ عن سببين لا ثالث لهما: الهوى (وَلَا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله) [ص:26] والجهل (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء:36]؛ فدواء الهوى قهر النفس على اتباع السنة وتعظيم الأثر، ودواء الجهل العلم، وتربية النفس على عدم الكلام بلا علم.
أما ما يتعلق بالمتلقين من عامة الناس؛ فالواجب عليهم الصدور عن العلماء الربانيين، الذين عرفوا بالعلم والورع، واجتناب من يغربون في المسائل، ويشذون في الفتاوى أو الذين لهم انتماءات بدعية وشطحات فكرية وهذا ما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم العامة إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: "سَيَكُونُ في آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ ما لم تَسْمَعُوا أَنْتُمْ ولا آبَاؤُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ لاَ يَفْتِنُونَكُمْ"رواه أحمد، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من مجالستهم أو الاستماع إلى أقاويلهم، أو الأخذ بغرائب فتاواهم. يقول ابن مسعود انما العلم الخشية وقد صدق فليس العلم تنميق العبارات ولاالظهور في الشاشات ولاكثرة الجماهير فالحذر الحذر ليسلم لكم دينكم
إن هذه الأمة أمة مباركة، معصومة من الإجماع على ضلالة، محفوظة من التتابع على الخطأ، ومحاولات الأعداء في تحريف دينها قديمة بدأت منذ المائة الأولى، ولكن الله تعالى حفظ دينها بتتابع العلماء على بيان الحق، ودحض الباطل، وكشف زيف أهل الجهل والهوى.
لقد تملأ الأعداء من الكفار والمنافقين على مسخ الإسلام باسم التسامح والتيسير، وعمدوا إلى دعم كل من ينتهج هذا المنهج الفاسد، وأبرزوهم في إعلامهم، وأضلوا العامة بهم، مع تحييد العلماء الراسخين، والطعن فيهم، والافتراء عليهم، بقصد تشويه سمعتهم عند الناس، وتنفيرهم منهم، وإحلال من يسمون فقهاء التيسير مكان من يسمونهم علماء التشديد.ومعايير التيسير عندهم هي إلغاء كلمة (حرام) من الفتاوى، وعدم انتقاد البدع واهلها بل التعاون معهم ونصرتهم.
والهدف تفرق دين الإسلام، بحيث يكون أجزاء يأخذ الناس منها ما لا يتعارض مع أهوائهم، ويطرحون ما يتعارض معها؛ لينتقل المسلم من عبوديته لله تعالى إلى عبودية الهوى الذي سماه الله تعالى إلهاً يعبد من دونه (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَه هَوَاهُ)
وكتبه بعد انقطاع
ابوعبدالله العطوي
|