أحمد خاشقجي
أفتى فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي بالجهاد في العراق وأجاز اخذ الرهائن وقال إن حكمهم في حكم الأسرى، ودعا الى أن يعاملوا بالحسنى كما أوجب الاسلام، ولكنه حصر كل ذلك بيد الامام الشرعي في العراق، ثم توقف عن تحديد من هو الامام الشرعي هناك، ومنعا لأي لبس رفض اعتبار الزرقاوي ومن معه فقهاء يملكون حق الاجتهاد في قضايا كهذه، وتهكم من علمهم وجرأتهم على الفتوى في كبرى المسائل.
هل يوجد ارتباك في فتوى الشيخ؟ يبدو أن البعض وجدها كذلك، بل أن ما يؤكد الارتباك أن فتواه أغضبت الرافضين للجهاد في العراق ممن يجبرون على الاصطفاف مع الليبراليين، وأنصار القاعدة من المتطرفة والمكفراتية الذين ضاقوا بتهكم الشيخ على رمزهم الجديد «أبو مصعب الزرقاوي».
شيخ آخر نال غضب المتطرفة والمكفراتية ومعهم أيضا الاسلاميون المتحمسون الباحثون عن قضية وجهاد ومجاهدين يفشون غلهم من الاميركيين، وهؤلاء على ما عندهم من عقل وعلم غلبتهم شهوة الانتقام على حكمة الانتصار, شيخنا هنا هو عبد المحسن العبيكان الذي أثار الاعجاب بصموده وتكراره لاجتهاده الذي اقتنع به رغم تخلي حتى زملائه من العلماء عنه فسكتوا، ولعل بعضهم يقولون بقوله ولكنهم يخشون الجمهور، وجاءه اكثر الأذى من طول لسان المتسترين خلف الأسماء الوهمية في ساحات الانترنت، وبعض الكتاب الذين تخلوا عن الجدية والعلمية في المناقشة واخذوا يذكرون الشيخ بما يفعل الاميركيون في العراق من أخطاء وكأنه لا يعرفها.
يعتقد فضيلة الشيخ العبيكان أن الجهاد غير قائم في العراق لان فيه قيادة شرعية ترفض القتال (والشرعية هنا نسبية ومنقوصة لن تكتمل حتى تجري انتخابات صحيحة في العراق، واحسب أن الشيخ لا ينكر هذا) وان العراقيين في حالة من الضعف والتفكك وتعدد الرؤى، فلن يكون من المصلحة الدعوة لجهاد بل قد يؤدي الى فتنة، وأزيد من عندي أن تزعم مكفراتية لهذا الجهاد المزعوم في العراق يعزز قول الرافضين له، اكثر مما يدعم رأي المنادين به، والذين اعجب من تأيدهم لجهاد وهم يشترطون ألا يكون تحت «راية عمّية».
فهل جاء الشيخ بجديد أم انه منسجم مع مدرسته فيما آفتى به؟ سألت من يعرف في هذه المسائل الفقهية الدقيقة من فقال إن الشيخ منسجم تماما مع المذهب الحنبلي، وأشار الى أن الامام احمد بن حنبل كان أول من أسس لهذا الموقف عندما رفض الخروج على الخليفة رغم سجنه وجلده في مسألة «خلق القرآن» الشهيرة، وأضاف أن علماء الحديث، كان من أسباب قدحهم ورفضهم لبعض الرواة رغم علمهم ودينهم، هو قولهم «بالسيف» أي انهم كانوا يجيزون الخروج على الحاكم.
اعتقد أن الذي يحرك هذه المدرسة هو استشعارها بمسؤولية الفتوى، بمعنى أن الفتوى عندهم ليست مقالة في صحيفة تقرأ وتهمل، وانما فتوى يترتب عليها عمل وفعل، قد يرقى الى حياة وموت ورقاب ودماء اذا كانت في موضوع كالجهاد، وليست مجرد موقف سياسي وخطبة حماسية تلقى في أحد مهرجانات العرب السياسية وما أكثرها، عندما يعتلي شيخ معمم المنصة فيصرخ في الحاضرين أن «الجهاد بات فرض عين على كل مسلم ومسلمة تخرج فيه الأمة دون اذن وليها والابن بدون اذن والده» ثم ينصرف الجميع الى بيوتهم ونسائهم وأطفالهم وأكلهم وشربهم وقيلولتهم بما في ذلك شيخهم الخطيب، بعد أن ضيعوا هيبة الجهاد تلك الشعيرة الاسلامية العظيمة، الا عند شاب صغير صدق ما قاله الشيخ الفاضل فيبتغي للجهاد سبيلا في أروقة سرية، غالبا ما تكون تحت «راية عمّية».
للشيخ يوسف القرضاوي قيمته العلمية ومرجعيته التي لا ينكرها أحد، ولكنه وقع تحت تأثير الجمهور الغاضب فهو يفتي بالجهاد لارضاء العامة، ولكنه يقيده انسجاما مع علمه الشرعي عندما يقول إنه مسؤولية ولي الأمر الشرعي، وينكر على الزرقاوي فقهه وجرأته انسجاما مع موقفه القديم والذي أنقذ به كثير من شباب الأمة عندما رفض التطرف مبكرا منذ أن لاح علينا برأسه في أوائل الثمانينات فوضع كتابه القيم «الصحوة الاسلامية بين الجحود والتطرف» والذي اصبح معلما حقيقيا في طريق الصحوة التي كان يريدها راشدة, اعتقد أن المشكلة في فتوى الشيخ القرضاوي هي في «التحليل السياسي» وتقدير «المصلحة» فهي واضحة عند العبيكان منسجمة مع مدرسته وحائرة عند القرضاوي, فالمصلحة عند الأول تكمن في رفض الفوضى والفتنة، وان توجه الشباب الى ما يسمى الجهاد يعطي فرصة للمتطرفة لتجنيد أحداث يصنعونهم على أعينهم، يزجون بهم في عمليات انتحارية تقتل من المسلمين العراقيين اكثر من المحتلين الاميركيين، لا يفعلون فعلهم هذا الا وقد آمنوا بمنهج التكفير الذي يتوسع في استحلال دم المسلم لمجرد انه تعاون مع ما يرونه احتلال كافر، ومن يفيض من هؤلاء الشباب المغرر به يعيدون تصديره الى بلاد المسلمين الأخرى الآمنة، والشيخ العبيكان مقتنع فيما يبدو أن حال الاحتلال موقت في العراق لان بقاءه يصطدم بالواقع العالمي الجديد وان الاستقرار والتعجيل بخروج حكومة عراقية وطنية وشرعية هو الذي سيعجل بخروج الاحتلال، وليس انتحاريات الزرقاوي والقاعدة التي لها أجندة أخرى في العراق وستقاتل المسلمين هناك من اجلها حتى لو زال الاحتلال.
أما الشيخ القرضاوي ففتواه مرتبكة لان تحليله السياسي منشغل بنظريات المؤامرة وخطط التوسع الامبراطوري الاميركي، والاستيلاء على آبار النفط الى آخر أركان التحليل السياسي التأمري المهيمن على العقلية المثقفة العربية والذي نراه في شكل مقالات صحافية وكتب وتعليقات تلفزيونية.
اختتم بقصة تؤكد صدق انتماء العبيكان لمدرسته، في عام 79 قتل الرئيس الباكستاني ضياء الحق في حادث سقوط طائرة لا يخلو من غموض، وتولت السلطة بعده السيدة بي نظير بوتو والتي لم يرها أنصار الجهاد الأفغاني مؤيدة للجهاد مثلما كان ضياء الحق، فسعوا الى التضييق عليها والتشكيك في شرعية ولايتها، لعلها تخسر موقعها ويتبوأ منصبها رئيس الوزراء السابق نواز شريف الذي كان اقرب لموقف ضياء الحق، كان أسامة بن لادن وقتها ينفق ماله في حملة يقودها علماء الدين الباكستانيون فنظموا لقاءات جماهيرية ضدها تستند الى الرأي الشرعي التقليدي بعدم جواز ولاية المرأة (في وقت لاحق التفت بي نظير على العلماء وتحالفت مع بعضهم وشكلت معهم تنظيم الطالبان وبقية القصة معروفة), حاولت أن اسهم في تلك الحملة بالحصول على فتوى من فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله انشرها في صحيفة المسلمون التي كنت أراسلها وقتذاك، التقيت بفضيلته في الرياض واستفتيته في أمر ولاية بي نظير فرد رحمه الله بدون تردد أن رئاسة الوزارة ليست الولاية العظمى وأن على الرغم من تحفظه على ولايتها كامرأة فانه لا يجوز الخروج عليها خوفا من الفتنة، نظرت الى صديقين كانا معي يشهدان الحديث فابتسما وقال لي أحدهما جزى الله الشيخ خيرا، انه حقا فقيه لا يستسلم لأهواء السياسة.