الأدلة من القرآن والسنة على تحريم الإستعانة بالكفار _ الرجاء القرائه بتمعن لمن اراد ان يلتزم بحدود الله
_ 2 _
* وأخرج الإمام أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة، بإسناد حسن عن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله». وأخرجه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود، كما رواه أحمد في مسنده.
* كما روى الطبراني في الكبير، بإسناد حسن، عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله».
* أخرج الإمام ابن جرير الطبري، والإمام محمد بن نصر المروزي بأسانيدهم من كلام ابن عباس: (من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك! ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك! وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً).
لاحظ أن الأثر السابق من كلام ابن عباس، لله دره، ليس إلا إتباعاً للحديث قبله وعملاً بالفهم الصحيح له، ولغيره من نصوص الكتاب والسنة المتضافرة، لم يكتف بذكر «الحب»، و«البغض»، بل أكد على «الموالاة»، و«المعاداة». فلا يكفي مجرد «الحب»، و«البغض» القلبيين المجردين، بل لا بد من «الموالاة» وهي الإكرام، والاحترام، والانتماء، والإعانة، والتحالف، والنصرة، والكينونة مع المحبوبين ظاهراً، وباطناً، ولا بد من ضدها وهو «المعاداة»: الشاملة للمقت، والتحقير، والمفاصلة، والهجر، والخذلان، والمنبذة، والمقاتلة بالسلاح، والبراءة من المبغوضين، والكفر بهم، ونبذهم، والبعد عنهم ظاهراً، وباطناً!
* والموالاة لا تنقطع بما يقع بين المؤمنين من تظالم ،وقتال، وشر، قال تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا! إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم! واتقوا الله لعلكم ترحمون، (الحجرات؛ 49:9).
* يقول الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية شارحاً: (على المؤمن أن يعادي في الله ، ويوالي في الله. فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه ــ وإن ظلمه ــ فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى:
وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما
...، فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم. فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته، وإن ظلمك واعتدى عليك؛ والكافر تجب معاداته، وإن أعطاك وأحسن إليك.
فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب، ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام والثواب لأوليائه، والإهانة والعقاب لأعدائه)، (مجموع الفتاوى: ج 28/208).
هل سمعتم وتدبرتم يا أعداء الله، فقهاء السلاطين، الذين أفتيتم باستقدام القوات الكافرة، والقتال تحت رايتها لدفع «ظلم» العراق المزعوم للكويت، بدعوى الضرورة، بل وسميتم جريمتكم النكراء جهاداً ؟! فانتهى الأمر باستعمار بلادكم، ووقوعكم تحت هيمنة الكفار: يقتلون المسلمين ويحاصرونهم، وينهبون خيرات بلادكم، ويمكنون صهاينة اليهود من رقابكم، ويؤبِّدون اغتصابهم لفلسطين، وتسلطهم على بيت الله المقدس، وينشرون الربا، والزنا، واللواط، وسائر الفواحش والفتن في بلادكم ! وأنتم ساكتون، سكوت الشياطين الخرس، فبعداً لكم !
* وقال اللّه تعالى :
لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، ومن يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة و يحذركم اللّه نفسه و إلى الله المصير
وقرأ يعقوب وسهل (تُقْيَة) وهو قراءة الحسن ومجاهد، والباقون (تقاة). قال في القاموس المحيط: (والتقية الكلاءة والحفظ، واتقيت الشيء وتقيته اتقيته واتقيه تقى وتَقِيّة وتِقَاء، ككِسَاء: حذرته) فهذا النص في الآية يعين موضوعها وهذا المعنى اللغوي لكملة (تُقْيَة) يعين ما تعينه هذه الكلمة في هذه الآية من معني لأنه لم يثبت لها معنى شرعي فيتعين تفسيرها بالمعنى اللغوي، وعلى هذا الأساس وحده تفهم الآية جملة وتفصيلاً.
أما ورد في أسباب نزولها من أحاديث فإنها، إن صحت، ترشد إلى تفصيلات ما ورد في الآية، ولكنها لا تغير موضوعها، ولا معاني جملها حسب مدلولات اللغة والشرع.
وموضوع الآية الواضح في جملها هو موالاة المؤمنين للكافرين أي مصادقتهم.، ونصرتهم، ومحالفتهم، ونحو ذلك كما أسلفنا، فالنص هو لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وإذا وردت آية أو أحاديث في موضوع معين تكون خاصة في هذا الموضوع، ولا تشمل غيره، فالقضية قضية موالاة المؤمنين للكافرين التي قد جاءت الآية تنهى عنها نهيًا جازمًا، وهذه ليست الآية الوحيدة في هذا الموضوع، فقد وردت فيه آيات عديدة تغَلِّظ الوعيد، وتشدد النكير على من اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين كقوله تعالى: بشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليمًا الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين
وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين
وقوله تعالى: لا تجد قومًا يؤمنون باللّه واليوم الآخر يوادون من حادَّ اللّه ورسوله
وقوله تعالي: لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء
وقوله تعالي: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء
إلى غير ذلك من الآيات.
فالموضوع موضوع موالاة المؤمنين للكافرين، فقط لا غير، وباقي الآية تفصيل للموضوع.
وذلك لأن اللّه تعالى نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء لهم، وقرن هذا النهي بالجزم القاطع بأن من يفعل ذلك فيتخذ الكافرين أولياء فإن اللّه بريء منه، وقد انقطعت صلته بالله. وهذا تحريم بات، مطلق، أبدي، لكل موالاة للكفار، أي لكل معنى من معاني الموالاة في اللغة العربية، ثم استثنى من هذا النهي الجازم حالة واحدة: وهي أن يحذر المؤمن من الكافر أذىً فإنه يجوز له موالاة الكافر دفعًا لهذا الأذى، وهذا لا يتصور إلا إذا كان المسلم تحت سلطان الكافر مغلوبًا على أمره، أي أن الحذر من الكافر يجيز موالاته، فإذا ذهب الحذر حَرُمت الموالاة بجميع أشكالها ومظاهرها مطلقاً.
ومعنى الآية هو نهي مغلظ جازم للمؤمنين عن أن يتخذوا الكافرين أولياء لهم، وأن يدخلوا معهم في حلف عسكري، أو يؤجروهم قواعد عسكرية، وأن يستعينوا بهم، ويلتجئوا إليهم، وأن يصادقوهم، وأن ينصروهم، وأن تكون بينهم وبينهم محبة أو مودة ظاهرة. فحرّم على المؤمنين موالاة الكافرين من دون المؤمنين ثم استثنى من ذلك حالة واحدة فقط: وهي أنه في حالة وجود خوف منهم عندما يكون المسلمون مقهورين من الكفار وتحت سلطانهم فإنه يجوز إظهار المحبة لهم ومصادقتهم لدفع شرهم وأذاهم. أي يجوز أن يُتَّخَذوا أولياء، أي أصدقاء، وحلفاء، في حالة وجود خوف منهم عندما يكون المسلمون تحت حكمهم، وما عدا ذلك فلا يجوز مطلقًا. وهذا بالنسبة للكفار فقط مع المؤمنين، فإن الآية نزلت في شأن المؤمنين الذين كانت لهم صلات بالمشركين في مكة فهي تنهى الذين في المدينة عن موالاة المشركين في مكة، وتنهى جميع المؤمنين، وتستثني من ذلك المؤمنين الذين كانوا في مكة فإنهم كانوا مغلوبين على أمرهم، فاستثنتهم لوجود حالة خوف لديهم من أذى الكافرين.
هذا هو موضوع الآية وهذا هو معناها وهذا هو الحكم الشرعى الذي يُستنبط منها، وهو تحريم موالاة المؤمنين للكفار بجميع أنواع الموالاة من تحالف، ونصرة، وصداقة، واستعانة، وغير ذلك، لأن كلمة أولياء في الآية جاءت عامة فتشمل جميع معانيها في لغة العرب، وجواز موالاتهم في حالة حذرهم، أي خوف بطشهم وأذاهم، عندما يكون الكفار غالبين على المسلمين، ويكون المسلمون مغلوبين على أمرهم، تمامًا كحالة المسلمين في مكة مع المشركين، ولا يوجد للآية معنى آخر، ولا يستنبط منها أي حكم سوى هذا الحكم.
قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى في تفسيره: (القول في تأويل قوله: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء، إلى قوله: إلا أن تتقوا منهم تقاة، قال أبو جعفر: وهذا نهي من اللّه عز وجل للمؤمنين عن أن يتخذوا الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا، ولذلك كسر يتخذ لأنه في موضع جزم بالنهي، ولكنه كسر الذال معه للساكن الذي لقيه ساكن.
ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء، يعني بذلك فقد برئ من اللّه، و اللّه برئ منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. إلاّ أن تتقوا منهم تقاة إلاّ أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم علي ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل.
كما: حدثني المثني قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح عن علي عن ابن عباس قوله: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين إلاّ أن يكون الكفار ظاهرين فيظهرون لهم اللطف، ويخالفونهم في الدين وذلك قوله: إلاّ أن تتقوا منهم تقاة).
إلى أن يقول، رحمه الله: (حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة فى قوله: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء. قال لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرًا وليًا في دينه، وقوله: إلاّ أن تتقوا منهم تقاة، أن تكون بينك وبينه قرابة فتصله لذلك! قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله قتادة في تأويل له وحده، وليس بالوجه الذي يدل عليه ظاهر الآية، إلاّ أن تتقوا من الكافرين تقاة فالأغلب من معاني هذا الكلام إلاّ أن تخافوا منهم مخافة، فالتقية التى ذكرها اللّه في هذه الآية إنما هي تقية من الكفار لا من غيرهم، ووَجَّهه قتادة: إلاّ أن تتقوا اللّه من أجل القرابة التي بينكم وبينهم تقاة فتصلون رحمها، وليس بذلك الغالب على معنى الكلام. والتأويل في القرآن على الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب المستعمل فيهم) إنتهى كلام الطبري، وهو يدل على أن إجماع المفسرين قبله، ما عدا قتادة ، هو على الرأي الذي بينا.
انظر قول الطبري: (إلاّ أن تتقوا منهم تقاة، إلاّ أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بالسنتكم).
لذلك كله لا يجوز أن تبقى أدنى شبهة في التحريم المغلظ لموالاة الكفار، بكل أنواعها، وألوانها، وأحوالها، بإجماع أهل القبلة المتيقن على معنى النص القرآني القاطع، إلا ما ثبت، يقيناً، استثناؤه من الله ورسوله بالنص، ولا نعلم من ذلك إلا «التقاة»، كما فصلنا بعضه أعلاه!