السلام عليكم ورحمة الله وبر كاته
قد يبدو الحديث في هذا الموضوع معاداً مكروراً ولكن لابد من التكرار.. فصلاح أمر المرأة المسلمة.. بل المجتمع المسلم، يبدأ من التزام المرأة بتعاليم القرآن والسنة وتطبيق المنهج الإسلامي والالتزام بالحجاب الشرعي.. قال رسول الله {: "سيكون في آخر أمتي نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، على رُؤُوسُهنّ كأسنمةِ البُختِ، العنوهُنَّ فإنهن الملعونات" (الحديث صحيح) ومعنى كاسيات عاريات أي كاسيات في الصورة، عاريات في الحقيقة؛ لأنهن يلبسن ملابس لا تستر جسداً ولا تخفي عورة، فالغرض من اللباس الستر، فإذا لم يستر اللباس كان صاحبه عارياًَ. وهذا ينطبق تماماً على كل الملابس الضيقة والمفتوحة. ومعنى (على رؤوسهن كأسنمة البخت): أي يصففن شعورهن من فوق رؤوسهن حتى تصبح مثل سنام الجمل.
وقال الله تعالى ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى" أن يعرفن فلا يؤذين {الأحزاب: 59} وهذا أمر صريح من الله تعالى بالحجاب وأتى في صورة أمر إلى النبي لأهميته، فلو لم يكن الحجاب الشرعي أو الزي الإسلامي ذا أهمية كبيرة- كما يظن البعض- فهل يأمر به الله على هذا الشكل؟ وإذا كان الظاهر غير مهم فهل يأمرنا ربنا بأشياء غير ضرورية؟!!
فمن هذا المنطلق نبُيّن لكم بعض الأحكام التي تُبَصّرُكِ بمظاهر التبرج؛ فاجتنبيها
أولاً: حكم لبس المرأة البنطلون:
أفتى الشيخ صالح الفوزان، عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية بما يلي: "لا يجوز للمرأة أن تلبس ما فيه تشبه بالرجال أو تشبه بالكافرات، وكذلك لا يجوز لها أن تلبس اللباس الضيق الذي يبين تقاطيع بدنها ويسبب الافتتان بها، والبناطيل فيها كل هذه المحاذير فلا يجوز لبسها".
كما أفتى الشيخ صالح العثيمين أنه "لا يجوز لبس البنطلون حتى لو كان البنطلون واسعاً فضفاضاً لأن تَمَيُّز رِجْل عن رِجْل يكون به شيء من عدم الستر، ولأن البنطال من لباس الرجال".
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بما يلي:
"لبس المرأة للبنطلون الضيق المُفصّل لجسدها حرام شرعاً وإن عقوبة التبرج والسفور في الآخرة عقوبة شديدة مثل عقوبة تارك الصلاة أو الزكاة؛ لأن الحجاب واجب شرعي، والتبرج والسفور من الكبائر المحرمة شرعاً إذْ إنهما يؤديان إلى انتشار الفساد والفاحشة".
وحديث رسول الله {: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله {: الرجلَ يلبسُ لِبْسَةَ المرأةِ، والمرأةَ تلبس لِبْسَة الرجل" رواه أبو داود بإسناد صحيح، وصححه الألباني.
وقال رسول الله {:"ثلاثٌ لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه، والمرأة المُتَرَجّلة المتشبهة بالرجال، والدَيُّوث" (الحديث صحيح).
ثانياًُ: حكم المرأة التي تخرج متعطرة:
قال رسول الله {: "أيما امرأة استعطرت ثم خرجت، فمرت على قوم ليجدوا ريحها؛ فهي زانية" رواه أبو داود، والنسائي.
ثالثاً: حكم المرأة التي ترقق حواجبها:
قال رسول الله {: "لعن الله الواشمات، والمُستوشمات، والنامصات، والمُتنمصات، والمُتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله" (متفق عليه). والنامصة: هي من ترقق الحاجبين للنساء، والمتنمصة: هي من يتم ترقيق حواجبها.
رابعاً: تبرج المرأة بصوتها أو مشيتها:
قال تعالى ( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن تقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا 32 {الأحزاب: 32} ولا تخضعن بالقول: أي لا تُلنّ القول، ولا يكن في صوتكن ميوعة الأنوثة عندما تخاطبن الرجال.
وقال تعالى: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وذهب ابن كثير، إلى أن المرأة منهية عن كل شيء يلفت النظر إليها أو يحرك شهوة الرجال نحوها.
خامساً: التبرج المُقَنَّع
رأى أعداء الصحوة الإسلامية أن يتعاملوا مع الحجاب الشرعي بطريقة خبيثة؛ فراحوا يروجون صوراً متنوعة من الحجاب على أنها حل وسط ترضي المحجبة به ربها - زعموا!!! - وفي نفس الوقت تساير مجتمعها، وتحافظ على أناقتها.
وكانت بيوت الأزياء قد أشفقت من بوار تجارتها؛ بسبب انتشار الحجاب الشرعي، فمن ثَمّ أغرقت الأسواق بنماذج ممسوخةٍ من التبرج تحت اسم (الحجاب العصري) وأحرجت ظاهرة الحجاب الشرعي طائفة من المتبرجات اللائي هرولن نحو (الحل الوسط)؛ تخلصاً من الحرج الاجتماعي الضاغط، الذي سببه انتشار الحجاب الشرعي، وبمرور الوقت تفشت ظاهرة (التبرج المقنع) المسمى بالحجاب العصري، يحسب صويحباته أنهن خير البنات والزوجات؛ لذا فيا صاحبة الحجاب العصري: حذار أن تصدقي أن حجابك هو الشرعي الذي يرضي ربك، وإياك أن تنخدعي بمن يبارك عملك هذا ويكتمكِ النصيحة، ولا تغتري فتقولي:"إني أحسن حالاً من صويحبات التبرج الصارخ" فإنه لا أسوة في الشر، فعليك أن تقتدي بأخواتك الملتزمات بالحجاب الشرعي بشروطه.
سادساً: ماذا عن الوجه
اتفق العلماء على وجوب تغطية الوجه في مثل هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتنة، وكثر فيه الفساق الذين لا يتورعون عن النظر المحرم. ويقول تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى" يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما {النساء: 65}، ويقول ابن كثير- رحمه الله- في تفسير هذه الآية: يُقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يحكّم الرسول { في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهراً وباطناً، وإذا حكّموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به؛ فينقادون له في الظاهر والباطن لذلك فهو تسليم كلي، من غير ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة.
والخلاصة:
إن أبواب التبرج محدودة، ويسهل تفاديها وهي لبس القصير أو الضيق أو الرقيق أو المزين اللافت للنظر، وعلينا أن نرسي مبدأً هاماً، وهو أن الإسلام هو الاستسلام، والإذعان والانقياد، لأمر الله تعالى، إذاً يكون موضع البحث هو التأكد من أن هذا التكليف قد ورد في كتاب الله أو في سنة رسول الله {.
فهيا أختاه نعود إلى رضا الله الذي خلقنا بيده، ونفخ فينا من روحه، فهذا الحجاب أمر به الله ورسوله { وقد قال الله تعالى ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا {الأحزاب:36}، أي إنه إذا حكم الله ورسوله بشيء؛ فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحدهم لا برأي ولا بقول. إذاًً المسألة ليست مسألة اقتناع، بقدر ما هي مسألة إيمان وامتثال لأمر الله.
وإنا لعلى يقين من وجود الخير داخلك، فإنك لا تقومين بمعصية الله عن قصد، وإنما هي فطرتك في حب الظهور بمظهر الجمال والتناسق ومسايرة أقرانك، ولكن ما دام هذا يثير الفتنة ويغضب ربك ويؤدي للإساءة إليك؛ باعتبار التبرج قرينة تشير إلى سوء النية وخبث الطوية، مما يعرضك لأذى الأشرار والسفهاء، كما تقومين بتسهيل معصية الزنا بالعين، قال رسول الله {: "العينان زناهما النظر" (رواه مسلم)، فعليك ألا تُصّري على ذلك. فهيا انضمي إلينا؛ ليُكَثّرَ بعضُنا بعضاً. واعلمي أن حجابك يَبُث الرعبَ في قلوب أعداء الإسلام.
وتحتَجُّ بعض الفتيات حين تنهاها عن التبرج أو تأمرها بالحجاب الشرعي، أنها مقتنعة تماماً، لكن شهوة المظهر تغلبها، وهي لا تستطيع ضبط نفسها. وقد يبدو العذر منطقياً لدى البعض لأول وهلة، ولكن حين تراها في شهر رمضان وقد التزمت بعض الشيء - وهو سلوك محمود ولا شك- فإن هذا يدل على أنها تملك القدرة على ضبط نفسها و الانتصار على شهوة المظهر.
أختاه تخيلي بعض الملتزمات في عقلك، واسألي نفسك هذا السؤال: ألا أستطيع أن أكون واحدة من هؤلاء؟ كيف نجحوا وهم يعيشون في المجتمع نفسه، ولهم شهوات وأمامهم عوائق مثلما أن لي شهواتٍ وأمامي عوائق؟ فقد كان العديد من الفتيات في طريق التبرج ثم منَّ الله عليهن بالهداية؛ فتبدلت أحوالهن وتغيرت وسرن في رِكاب الصالحات الطائعات، وربما كانت زميلة لك... فكيف ينجحن في اجتياز هذه العقبة وتفشلين أنت؟! ولماذا استطعن التوبة ولم تستطيعي أنت؟ إن العوائق عند الكثير من الفتيات عن التوبة والالتزام ليس عدم الاقتناع، بل هو شعور بعدم القدرة على التغير. أفلا تُعتبر هذه الفتاة الملتزمة نموذجاً لك، ودليلاً على أن عدم القدرة لا يعدو أن يكون وهماً نصطنعه؟!! فماذا يمنع أن تكوني أنت واحدة من هؤلاء؟ وما الذي يحول بينك وبين ذلك؟ فأعيدي الحسابات، وصححي الطريق، ولا تكوني ممن تقتنع بخطأ طريقها وتتمنى التغيير؛ لكنها تنتظر المناسبة ألا وهي أن يموت قريب لها، أو تُصاب بحادث فتَتَّعِظ؛ فيهزها الموقف فيدعوها للتوبة!! ولكن ماذا لو كانت هي ذلك الميت فيتعظ بها غيرها؟ أو كان الحادث الذي تنتظره ليردها إلى التوبة فيه نهايتها؟
أختي الفتاة، ليس للإنسان في الدنيا إلا فرصة واحدة، فالأمر لا يحتمل المخاطرة. يقول الله تعالى: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون 51 {النور : 51}.
أختي الغالية، كوني شجاعة ولا تترددي، اتخذي القرار، واسلكي طريق الصالحات، ولا تغتري بكثرة الهالكات فعمل الناس ليس هو الحكم يقول الله تعالى ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله {الأنعام: 116}، وقول الله تعالى: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون {المائدة: 100}، ويقول رسول الله {: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
واعلمي أن الله عز وجل يفرح بتوبة عبده، ويبدل له السيئات حسنات عند رجوعه إليه قال تعالي ( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما {الفرقان: 70}.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله { يقول: "للهُ أشدُّ فرَحاً بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة (الصحراء الخالية) معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال: أَرجعُ إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته عليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده" (أخرجه البخاري ومسلم).